زمن الخيول البيضاء - إبراهيم نصر الله


الكتاب الذي سأتحدث عنه في هذا الموضوع هو كتاب كان له الكثير من الأثر والإلهام علي. كتاب ذكرني بقضية كثيراً ما ننسى أبعادها، وربما لم نعرفها نحن كأجيال حديثة العهد لم تعاصر أصول المشكلة وبدايتها. من خلال هذا الكتاب عشت أحداث دميت لها القلوب، وأبصرت أبعاد قضية تم تمييعها بشكل كبير في أيامنا هذه. وأدركت معنى أن المنتصر هو من يكتب التاريخ.. بل ويخترعه، ويفرض على المنهزم تلقيه وتقبله والإيمان به.

رواية زمن الخيول البيضاء، للكاتب إبراهيم نصر الله.

الرواية هي أحد روايات مشروع روائي كبير للكاتب أطلق عليه "الملهاة الفلسطينية" يضم 12 رواية حتى الآن، لكل منها موضوعه الخاص وقصته المنفصلة. بينما يتناول في هذه الرواية 125 عاماً من التاريخ الفلسطيني منذ زمن العثمانيين وحتى سنوات النكبة الفلسطينية في 1948. يتناولها الكاتب بأسلوب روائي غاية في الإبداع معتمداً على الكثير من المذكرات والكتب والروايات الحقيقية لأناس عايشوا أحداث النكبة بأنفسهم.

الرواية تم البدء في كتابتها عام 1985، وكانت أول رواية بدأ الكاتب بالعمل عليها في مشروعه ظناً منه أنها ستكون رواية واحدة، غير أنه مع توسع البحث حول القضية تحول العمل إلى مشروع بأكمله.

عن الكاتب

هو الكاتب والشاعر إبراهيم نصر الله، ولد بعمَان، الأردن لأبوين فلسطينيين هُجروا من أرضهم بقرية البريج، فلسطين عام 1948. حصل على دبلوم التربية وعلم النف
س من الأردن، وعمل بالتدريس في بداية حياته، ثم تحول للعمل في قطاع الإعلام والثقافة حتى عام 2006.

كرس إبراهيم نصر الله حياته للكتابة، ونشر له 15 مجموعة شعرية و21 رواية. وحاز على العديد من الجوائز الأدبية العالمية والعربية، وترجمت بعض رواياته إلى أكثر من لغة.

قيل عن زمن الخيول البيضاء

"إنها بحق الرواية التي كانت النكبة الفلسطينية تنتظرها ولم تحظ بها من قبل. تأريخ دقيق غاية في الحساسية والتصوير المبدع للوضع الفلسطيني منذ زمن العثمانيين إلى سنة 1948. فائقة الأهمية لأنها تكشف بوضوح أسباب النكبة وملابساتها وظروفها الطاغية التي قادت شعبنا إلى عذاب مقيم. كما أنها تصل إلى غاية التشويق الروائي المثير، بحيث أن القارئ لا يود تركها أبداً."
د. سلمى الخضراء الجيوسي

"ذروة إبداعية بالغة الشفافية. وزمن كثيف أطرافه دول وإمبراطوريات ومشروعاته أكبر من بساطة ناس القرى."
د. خالد الحروب

"رائعة. عذبة وشجية، ستعيش في الذاكرة كأحداثها وشخصياتها التي رسمت بمهارة شاعر وروائي كبير."
د. حاتم الصكر

عن الرواية

الفصل الأول (عادات أجدادنا ومكارم أخلاقهم):

الفصل الأول هو الفصل الذي يقوم فيه الكاتب بوصف لحياة أهل القرى الفلسطينية، في وقت وصلت فيه الدولة العثمانية إلى مرحلة ضعفها الأخير الذي سيؤدي في النهاية إلى سقوطها. يركز الكاتب في هذا الفصل على عادات أهل قرى فلسطين في هذا الزمان وأخلاقهم التي ذخرت بمعاني الأصالة والكرم والشهامة العربية، وفيها ربط واضح وصريح بتشبيههم في أصالتهم بالخيول العربية الأصيلة الكريمة والعزيزة وسط أهلها. 

في هذا الفصل كذلك يتم عرض الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية على مشارف الزوال، ما أدى إلى فساد أجهزتها، وتحول جباة الضرائب الأتراك فيها إلى ما هو أشبه بقطاع الطرق، معتمدين على السلطة التي تخولها لهم الدولة، ويستخدمونها في ابتزاز الأهالي والتحرش بهم في كل مناسبة أتيحت لذلك، فكانوا زواراً ثقالاً أينما ذهبوا وحلوا حل الهم والغم معهم.

أغلب صراعات ومناوشات الفصل الأول تدور بشكل أساسي في قرية (الهادية) بين أشخاص من أهالي القرية أنفسهم الذين استطاعت الدولة أن تجعلهم أعيناً لها في القرية وبين الأهالي. كذلك هناك مناوشات بين الضباط الأتراك وما لديهم من سلطة تمثل سلطة الدولة وبين الأهالي وما لديهم من حق أصيل فيما يملكون من أراضي ومواشي وممتلكات لا يريدون التفريط فيها.

ظهرت كذلك في هذا الفصل قصة الدير الكنسي الذي قامت الدولة ببنائه على أرض (الهادية) وكان يعتبر عيناً للدولة داخل القرية وسبباً للتدخل في شؤون الأهالي، كذلك كان عينا على الدولة العثمانية نفسها لدول أخرى خارجية بحجة رعاية شؤون الطوائف الكنسية فيها.

لم يكن هناك ظهور للانجليز في هذا الفصل سوى في آخر مشهد منه.

الاستفادة من الفصل الأول:

* الأصالة والشهامة والمروءة والكرم، صفات متأصلة في أخلاق العرب، فقدنا كثير منها في عصرنا الحاضر، ويتعمد أعداؤنا إضاعتها فينا، لأن الخسيس لا يستطيع الصيد في غير الماء العكر. 

* الدولة الضعيفة المكبلة بالديون والالتزامات لدول أخرى لا تقوى على التخلص منها، تكون مستعدة لفعل أي شيء مقابل الحصول على المال وجبايته من الناس ولو بالقوة. تنموا في مثل هذه الظروف نوعيات خسيسة ووضيعة من البشر، تكون متعطشة للنفوذ والسلطة، تستعين بها الدولة لإحكام قبضتها على الناس وجباية أموالهم رغماً عنهم ودون وجه حق.

* الشريف يعيش مرفوع الرأس، محل ثقة الناس واحترامهم، يلجؤون إليه في مصائبهم، ويفخرون به عند أفراحهم. يضحي ولو بحياته ليموت شريفاً أصيلاً مرفوع الرأس. والخسيس يعيش خسيساً وضيعاً، لا يتورع من استغلال فرص الحصول على السلطة والمال ولو على حساب شرفه وأمانته بين الناس، فيعيش عديم الشرف والأمانة ويموت على ذلك، ولو ملك القصور وتحكم في مصائر الناس بسلطته ونفوذه.

الفصل الثاني (الفصل الأكثر ألماً في الرواية):

يبدأ الفصل الثاني وقد انتهى عصر الأتراك وبدأ عصر الانتداب البريطاني دون الخوض في تفاصيل سقوط الدولة العثمانية، والاكتفاء ببدء المشهد الأول منه بعد مرور سنوات من المشهد الختامي في الفصل الأول. خلال هذه السنوات تنشأ أجيال جديدة، وتبدأ القرية بالتأثر بحياة المدينة بعد فتح اثنين من المقاهي فيها ودخول الراديو من خلالهما إليها، وبدء خروج أبناء المستطيعين من أهلها للدراسة في المدين مثل القدس ويافا.

في نفس الوقت تبدأ أحداث القهر المدمي للقلوب عندما تضرب القرية سنوات قحط يخسر الأهالي فيها محاصيلهم وتتفاقم عليهم الضرائب لسلطة الانتداب بعد سنوات سبقتها من جباية الضرائب العثمانية، فتبدأ سلطة الانتداب بالاستيلاء على الأراضي بعدما لم  تستطع الأهالي سداد ما عليهم، ويبدأ الرجال، مضطرين للبحث عن فرص عمل لدى معسكرات الانجليزية لإعالة أهلهم وعيالهم، على نفس الأراضي التي كانوا يملكونها يوماً ما ولكن لصالح الانجليز وتحت إدارة اليهود.

وتبدأ الأمور بالتعقد أكثر فأكثر بعدما يستيقظ أهالي القرية يوماً ليفاجأوا بوجود مستعمرة سكنية لليهود تم نقل مساكنها -المعدة سابقاً- بالكامل ليلاً  ووضعت على بعد أمتار منهم وأحيطت بالأسلاك الشائكة. من يقترب من هذه الأسلاك أكثر من مائة متر يُقتل دون سابق إنذار أو تحذير. وحظيت المستعمرة بالحماية البريطانية بحجة أن الأرض ملك للدولة (الممثلة في سلطة الانتداب وقتها) وليس لأحد الاعتراض على ما تفعله الدولة بممتلكاتها. ومن هنا يبدأ تحرش اليهود من خلف الدعم الانجليزي بالأهالي أصحاب الحق الأصليين، وتبدأ الحركات الثورية بالتشكل والتحرك في أرجاء البلاد، وتبدأ عمليات الاغتيال لضباط إنجليز يقابلها الرد بحرق قرى بأكملها واعتقالات وإعدامات بأضعاف أضعافها.

الاستفادة من الفصل الثاني:

* لم يزل الأخساء وحثالة البشر هم وسيلة الظالمون في إيقاع ظلمهم على البلاد والعباد. أناس لا يعملون إلا لمن يدفع لهم أكثر. لا غاية لهم في الحياة سوى عبادة السلطة التي تغدق عليهم من نعيمها في مقابل سلب حقوق الناس ووالوشاية بهم لاعتقالهم وطردهم من أراضيهم وقتلهم.

* عندما تكون السلطة ظالمة فإنها تلبس كل أفعالها رداء القانون، وعندما تحكم في المظالم تحكم فيها بهذا القانون الذي هي صانعته، فتضيع الحقوق، وتنتهك الأعراض وتسلب الأراضي والأموال باسم القانون، ويصبح من يبدي اعتراضاً على هذا الظلم هو الخارج عن القانون والمستحق للعقوبة والإعدام.

* الجموع الشعبية تلتف حول القيادات التي تناصر الحق وتدافع عنه حتى الممات، وأصحاب الأعمال والسيط الكاذب ينصاعون رغماً عنهم وراء تلك الجموع خوفاً على مصالحهم وخسارة تأييد الناس لهم، لا إيماناً منهم بقضية ولكن خوفاً على سمعتهم وسيطهم ومصالحهم. (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك). 

* مهما طغا وتجبر أهل الباطل يظل أهل الحق هم أصحاب الحق، ويظل دفاعهم عن حقهم دفاعاً مشروعاً ولو تم وضع القوانين وسن اللوائح لتجريم هذا الدفاع المشروع وشيطنته وتسميته بغير مسمياته.

* في أحد هوامش هذا الفصل يرد ذكر (البلاغ رقم 16) الذي جاء في نصه (تلبية لنداءات ملوكنا وأمرائنا العرب نزولا عند طلب اللجنة العربية العليا نطلب توقيف أعمال العنف تماماً وعدم التحرش بأي شيء يفسد جو المفاوضات التي تأمل فيها الأمة العربية الخير ونيل حقوق البلاد كاملة، وأن نتجنب أي عمل من شأنه أن يعد حجة علينا في قطع المفاوضات.. إننا نرحب بالسلم الشريف ولن نعتدي عليه ولكننا عند اللزوم ندافع ولن نرمي السلاح...) القائد العام فوزي الدين القاوقجي 12-10-1936.

ولولا بيانات كهذه لوقف العنف والتفاوض بين قادة العرب والانجليز لما توقف جيش الثورة عن النضال، ولما تحول الأمر إلى ضعف بعد قوة. أتساءل عن نوع المفاوضات التي يمكن لصاحب الحق أن يتفاوضها مع مغتصب حقه!!

* الذي يقوم به سالبوا الحقوق أن يحاولوا طمس معالم هذا الحق وتشتيت مسألته حتى لا يستطيع صاحبه أن يدافع عنه أو يطالب به. فتراهم يضيعون معنى الأرض ومعنى العرض، ويفصلون الناس عن ماضيهم وأصولهم والقضايا التي كانوا يقاتلون من أجلها. فتضيع الحقوق وتذهب نخوة الدفاع عنها مع مرور الوقت.

الفصل الثالث (الأكثر قهراً) والأخير:

في هذا الفصل يبدأ الكاتب بعرض القضية بمجملها بنظرة من الأعلى، بعد كل هذه العقود والأجيال والأحداث، وكيف أن أطراف القضية الفلسطينية قد بلغت من التشعب ما يصعب معه لملمتها ومعرفة من أين تبدأ وإلى أين تنتهي. ويختصر ذلك في مشهد من مشاهد الفصل، يقول فيه على لسان أحد أبناء القرية: "..من يستطيع أن يحل معادلة أطرافها كل هؤلاء: الفلاحون الفلسطينيون، وزعامتهم في المدن وزعامتهم في الريف، الفقر الذي هناك في القرى والغنى الذي هنا في المدن، التفوق الصناعي الأوروبي الذي حمله اليهود معهم والتخلف في كل شيء تركه الأتراك لأهل هذه البلاد. من يستطيع أن يحل معادلة فوضى عشرات الأحزاب هنا وارتباك أهدافها وتضاربها وصراعاتها التي لا تنتهي، ودقة تنظيم المنظمات اليهودية التي تصب في هدف واحد ووحيد: احتلال فلسطين وطرد أهلها منها؟ من يستطيع أن يحل معادلة أطرافها: نحن والعرب والإنجليز واليهود؟!"

في هذا الفصل تشعر بكلمات الكاتب عميقة غاضبة حزينة ويائسة في كثير منها، وكأنما يكمل في هذا الفصل قصته هو وكل من كانوا هناك من قبل. تجد عباراته تحمل معاني التشتت والحيرة والتيه. تنظر من خلاله بعين من عاش القضية ويعايشها إلى يومنا هذا. وتدرك من خلال هذه الكلمات إلى أين مدى وصل هذا الجرح في جسد أمتنا من أزمان مضت ولم يزل لم ينزف إلى يومنا هذا.

تظهر في هذا الفصل كذلك الألاعيب والمراوغات السياسية التي تلعبها الأحزاب والشخصيات السياسية على الشعب لنيل تعاطفهم تارة، وثقتهم تارة، يعزفون على أوتار أوجاعهم ومصائبهم مقطوعات من الكذب والتمثيل والخداع ويرقصون عليها. وهذا ما نعيشه حتى هذه الأيام. 

الاستفادة من الفصل الثالث:

* لم يكن -ولن يكن- لليهود عهداً يوماً من الأيام، ولا يمكن لأحد أن يثق في عهودهم بشيء، فهم خائنوا عهود ومواثيق ولا شرف ولا أمانة لهم منذ أن عرفهم التاريخ.

* عندما يبدأ كل شيء بالسقوط يكون أول الفارين هم أصحاب الأعمال والأموال، ينظرون إلى الأمر كله كأنه كان صفقة عمل وانقضت وما من مكسب يدعوهم للتواجد في هذا المكان أكثر من ذلك، فقد جنوا ثماره وقتما كانت الأرض لم تزل خصبة، والآن بعد أن لم تعد قادرة على إعطائهم المزيد، تركوها دون أن تذرف أعينهم ولو دمعة واحدة عليها.

* لم يزل الأهالي -أصحاب الحق الأصلاء- مستعدين لبذل التضحيات والمقاومات إلى أقصاها، ولم يزل الزعماء هم من يكبحون جماحهم بالمعاهدات والمفاوضات الواهية. لم يتأخر الأهالي يوماً عن تقديم التضحيات والجهاد في سبيل الدفاع عن أرضهم، ولم يزل الزعماء متمسكون بولائهم لمعاهدات لا ترد لصاحب حق حقه، ولا توقف معتدٍ عند حده.

* لم يخرج دور زعماء العرب في القضية برمتها عن مساعدة الانجليز في تحقيق مهمتهم التي أتوا من أجلها لأرض فلسطين بأن جعلوا لليهود وطناً قومياً عليها لا حق لهم في شبر منه. وفي المقابل لم تسفر مساعيهم سوى عن عركلة وصول الحق لأهله، وتضييع الفرص على الأهالي لإبداء المقاومة الحقيقية ضد الكيان الغاصب.

* لم تكن قرارات الحكومات تشكل أي دعم للمقاومة الفلسطينية، بل ربما لم يكونوا على علم أساسا بما يدور على أرض الواقع، وما كان على المقاومين سوى الاعتماد على مجهوداتهم الشخصية في مواجهة اليهود المدعومين بالحماية البريطانية.

* ويختتم الكاتب الرواية بتعليق لديفيد بن غوريون يُحسَم فيه القول من جذوره، نقله عنه ناحوم غولدمان، الرئيس الأسبق للمؤتمر الصهيوني العالمي، في كتابه (المفارقة اليهودية) قال فيه: (لو كنت قائداً عربياً، لما وافقت على أي اتفاق مع إسرائيل، فهذا أمر طبيعي، فنحن أخذنا بلادهم. نعم، إن الله وعدنا بهذه الأرض ولكن هذا أمر لا يهمهم... فإلهنا ليس إلههم... وهذا حصل منذ ألفي عام، فما الذي يدعوهم لأن يعيروه اهتماماً؟ وكانت هنالك اللاسامية ومن ثم النازيين، وهتلر، وآشوتس، فهل كان ذلك ذنبهم؟ إنهم يرون شيئاً واحداً فقط: أننا جئنا وسرقنا بلادهم، فلماذا عليهم أن يقبلوا بهذا؟)

وأنا أقول أنه لم تكن هناك نية صادقة من القادة العرب في الدفاع عن القضية من الأساس، وأنهم ضحوا بفلسطين في مقابل الحفاظ على كراسيهم والأراضي المتبقية من بقايا الدولة العثمانية تحت أيديهم. وأنه لو كانت القضية نُظر إليها من الأساس كقضية حق وعرض وعقيدة لما كان حدث ما حدث ولم يزل يحدث إلى الآن، ولكنهم نظروا إليها وكل واحد منهم يبحث فيها عن مصلحه لا يجدها، فتشعبت المساعي وكثرت الآراء وعمت الفوضى، واكتفى كل واحد منهم في النهاية بنفي المسؤولية من جانبه إلى أن لم يصبح أمامه سوى اتهام أصحاب الأرض أنفسهم -المجني عليهم- بتضييع حقهم، وهم اللذين لم يتوانوا للحظة في بذل الأرواح في سبيل الحفاظ عليه إرجاعه، ولكن من سنن الله في كونه أن جعل لك نتيجة أسباب علينا اتباعها، وللأسف لم يكن من جانبنا غير السعي وراء مفاوضات هم أنفسهم تعجبوا من انصياعنا إليها. ولم يكن منهم غير المضي قدماً في تمزيق جسد أمة اكتشفوا أن لا حياة فيه. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الأمر إذا نظر له من جهة السياسة والمعاهدات فقد تشعب وضاع ولن يستطيع أحد لم شمله، أما إذا نُظر له من جهة الحق فهو واضح لا ريب فيه. ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

مآخذ على الرواية

لم يتم عرض القضية -أو التنويه إلى ذلك- أنها قضية عقدية من الأساس لا تخص الفلسطينيين وحدهم بل تخص المسلمين جميعاً، ففي الوقت الذي لا يخفي اليهود حملهم للقضية في الأساس بمحمل العقيدة، لا نذكر نحن المسلمون ذلك سوى في المناسبات، والشائع هو شخصنة القضية واختصارها في أنها قضية أرض دولة وضع المغتصبون لها حدودها وفرضوها علينا.

من المآخذ على الرواية كذلك أن فيها تجاوزات شرعية في بعض العبارات والأفعال لأشخاص الرواية، وعلى الرغم من أنه كان أمر يحدث بالفعل كثيراً في الفترة التي تحاكيها أحداث الرواية لجهل الناس بكثير من الأمور الشرعية وأخذهم بكثير من أمور الدجل والشعوذة، إلا أنه كان يجب على الكاتب أن يشير لذلك في الهوامش أو ضمن السياق أو ضمن مقدمة الكتاب.

مقتطفات مميزة من الكتاب

- "كان لابد أن تعيش في العتمة طويلا حتى يفاجئك النور."

- "لم نكن نعرف الخوف أبداً. تسألني لماذا؟ لأننا كنا علي يقين من أن الروح التي وهبنا إياها الله، هو وحده الذي يستطيع أن يأخذها، وفي الوقت الذي حدده الله، لا الوقت الذي حدده الإنجليز أو أي مخلوق على وجه الأرض".

- بلاغ رقم 16 (تلبية لنداءات ملوكنا وأمرائنا العرب نزولا عند طلب اللجنة العربية العليا نطلب توقيف أعمال العنف تماماً وعدم التحرش بأي شيء يفسد جو المفاوضات التي تأمل فيها الأمة العربية الخير ونيل حقوق البلاد كاملة، وأن نتجنب أي عمل من شأنه أن يعد حجة علينا في قطع المفاوضات.. إننا نرحب بالسلم الشريف ولن نعتدي عليه ولكننا عند اللزوم ندافع ولن نرمي السلاح...) القائد العام فوزي الدين القاوقجي 12-10-1936

- من رسالة موجهة للمندوب السامي البريطاني: (..وأعترف لجنابك بالدهاء فأنت في نظري داهية دهماء وذكي من الطراظ الأول.. تصرف مواهبك وذكاءك لمصلحة الاستعمار البريطاني.. فقد عينت أبناء الذوات في الوظائف، وأجلست أبناء العائلات على الكراسي فغدوا رهائن لديك، وارتبطوا بالسلطة ارتباطاً مادياً، وستذكر أياديك البيضاء عليها وشعارها دائماً: الحسنة بعشرة أمثالها والتحية بأحسن منها.. وحسبك أنك استطعت أن تجعل الكثيرين من العرب يعتقدون أنهم في حاجة إلى حماية إنجليزية تقيهم عدوان اليهود، وجعلت الكثيرين من اليهود يعتقدون أنهم بحاجة إلى حماية إنجليزية تقيهم عدوان العرب... أحس أنني معان وأن كرامتي جريحة وأنا أنتمي إلى شعب لا تقيمون له وزناً ولا تحترمون له إرادة.. وقد عرضتم عليه أخيراً بعد تضحيات وثورات وجهوداً مجلساً اشتراعياً هزيلاً كسيحاً أبتر، فاقد الصلاحية مسلوب الإرادة..) 

- بين عامي 1936 و 1939 (كان الرد البريطاني على اندلاع الثورة الفلسطينية، هائلاً؛ حيث أعادت بريطانيا اجتياحها لكل فلسطين مرة أخرى، وقتلت أكثر من خمسة آلاف فلسطيني وجرحت أكثر من خمسة عشر ألفاً آخرين، ونفت وأعدمت القيادة الفلسطينية، كما اشتمل الرد البريطاني على تنظيم فرق موت مكونة من جنود بريطانيين وقوات صهيونية عرفت باسم "قوات الليل الخاصة" والتي أغارت على القرى الفلسطينية ليلاً وقتلت العديد من الفلسطينيين.)

- "لست خائفاً من أن ينتصروا مرة وننهزم مرة أو ننتصر مرة وينهزموا مرة، أنا أخاف شيئاً واحداً أن ننكسر إلى الأبد، لأن الذي ينكسر للأبد لا يمكن أن ينهض ثانية، قل لهم احرصوا على ألا تهزموا إلى الأبد."

- "أنا لا أقاتل كي أنتصر، بل كي لا يضيع حقي".

- (ومع الأسف الشديد أن بعض العاملين في الحركة الوطنية ومنهم أعضاء بارزون في اللجنة التنفيذية على اختلاف صفاتهم الحزبية استسلموا لسياسة المآدب والحفلات التي تجمع اليهود والعرب، وقد أخذت السلطة الإنجليزية تبتكر المناسبات والأساليب، فلبوا دعوات المندوب السامي إلى ولائمه وحفلاته وجلسوا أحيانا فيها مع اليهود في صعيد واحد كما قبلوا تكليفه واشتركوا في اللجان الاستشارية المختلطة كلجان العمال والطرق والتجارة والزراعة... وهكذا نشأ في فلسطين.. ما يمكن أن يسمى بالوطنية الثنائية أو الخنثوية.. فلم يبق أحد لم يشعر بما طرأ على الحركة الوطنية الاستقلالية في هذه البلاد من ضعف وفتور وما وقعت فيه من اضطراب وانحلال وفوضى).

- الحقيقة الوحيدة التي باتوا يعرفونها أنهم لا يملكون شيئاً، لا أرضهم ولا بيوتهم ولا حقولهم ولا كرومهم ولا الطرقات التي يعرفونها، ولا حياتهم التي عاشوها هنا أباً عن جد، وأن الحكم يقول لهم إن ذكرياتهم مجرد أحلام وأحلامهم أوهام والعذابات التي عاشوها والتضحيات التي قدموها من أجل الحفاظ على هذه الأرض لم تكن؛ أدركوا أنهم يجردون من الفأس التي حفروا بها ومن المنجل الذي حصدوا به والحصان الذي عاشوا معه الأجمل والأقسى، والأبقار التي حلبوها والقطعان التي سهروا الليل في البراري يدفعون عنها خطر الموت وصفرة جفاف المواسم. كل ما في الهادية، فجأة، لم يعد لهم.

- "تعرفون. المشكلة الكبرى التي تهدد البلاد كلها أنكم أطيب مما يجب. طيبون إلى حد مميت.."

- "..من يستطيع أن يحل معادلة أطرافها كل هؤلاء: الفلاحون الفلسطينيون، وزعامتهم في المدن وزعامتهم في الريف، الفقر الذي هناك في القرى والغنى الذي هنا في المدن، التفوق الصناعي الأوروبي الذي حمله اليهود معهم والتخلف في كل شيء الذي تركه الأتراك لأهل هذه البلاد. من يستطيع أن يحل معادلة فوضى عشرات الأحزاب هنا وارتباك أهدافها وتضاربها وصراعاتها التي لا تنتهي، ودقة تنظيم المنظمات اليهودية التي تصب في هدف واحد ووحيد: احتلال فلسطين وطرد أهلها منها؟ من يستطيع أن يحل معادلة أطرافها: نحن والعرب والإنجليز واليهود؟!"

- تعليق لديفيد بن غوريون، نقله عنه ناحوم غولدمان، الرئيس الأسبق للمؤتمر الصهيوني العالمي، في كتابه (المفارقة اليهودية): (لو كنت قائداً عربياً، لما وافقت على أي اتفاق مع إسرائيل، فهذا أمر طبيعي، فنحن أخذنا بلادهم. نعم، إن الله وعدنا بهذه الأرض ولكن هذا أمر لا يهمهم... فإلهنا ليس إلههم... وهذا حصل منذ ألفي عام، فما الذي يدعوهم لأن يعيروه اهتماماً؟ وكانت هنالك اللاسامية ومن ثم النازيين، وهتلر، وآشوتس، فهل كان ذلك ذنبهم؟ إنهم يرون شيئاً واحداً فقط: أننا جئنا وسرقنا بلادهم، فلماذا عليهم أن يقبلوا بهذا؟)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أشهر كتابين حول موضوع اكتساب العادات وتغيير نمط الحياة

قصة الشاب كريستوفر ماكاندلس المأساوية في البرية