قصة الشاب كريستوفر ماكاندلس المأساوية في البرية

غلاف كتاب في البرية - قصة كريستوفر ماكاندلس
غلاف كتاب "في البرية"

في أبريل عام 1992 انطلق شاب من عائلة أمريكية ثرية، يدعى كريستوفر ماكاندلس، في رحلة بمفرده إلى براري ألاسكا. طوال أربعة أشهر ظلت عائلته لا تعرف عنه شيئاً، إلى أن عثر مجموعة من الصيادين على جثته المتحللة داخل حافلة مهجورة وسط الغابات.

في يناير 1993 ، تم تكليف الكاتب جون كراكوير بنشر مقال عن ظروف وفاة الشاب ماكاندلس في عدد الشهر من مجلة Outside. تم تكليفه بذلك في مهلة زمنية ضيقة. 

بعد هذا المقال قام الكاتب باستكمال بحثه حول وفاة الشاب ومتابعة التعمق فيه، ليقوم بعد ذلك بعرض ما توصل إليه في كتاب تحت عنوان (في البرية - into the wild).

نشر الكتاب لأول مرة في عام 1996، وأصبح بمثابة السيرة الذاتية لكريستوفر ماكاندلس.

في عام 2007 تم تحويل الكتاب إلى فيلم من إخراج Sean Penn. وفي نفس العام، أصبح ماكاندلس موضوع فيلم وثائقي لـ Ron Lamothe بعنوان The Call of the Wild.

سأقوم برفع تلخيص لمقدمة الكتاب والفصل الأول منه على صفحة الفيس بوك تحت هاشتاج #intothewildelkotobgi 

الكاتب جون كراكوير
Jon Krakauer

عن الكاتب

جون كراكوير هو كاتب ومتسلق جبال أمريكي. يعرف بتأليفه للكتب الواقعية حول تسلق الجبال ورحلات التجوال. كتب في أحدها عن رحلة استكشافية مشؤومة إلى قمة جبل إيفرست كان عضواً فيها في عام 1996، وكانت من أكثر الكوارث دموية في تاريخ تسلق إيفرست. لكن كتابه الأكثر مبيعاً هو كتاب في البرية Into the Wild.

كريستوفر ماكاندلس يجلس أمام الحافلة فيربانكس 142
ماكاندلس يجلس أمام الحافلة التي قضى فيها آخر أيام حياته

حول قصة ماكاندلس بعد تصليت أضواء الإعلام عليها

منذ أن نشرت مقالة كراكوير في يناير 1993 حظيت قصة ماكاندلس باهتمام الرأي العام، وتحولت إلى مصدر إلهام لدى الكثيرين، ما وصل إلى حد تحويل الشاب نفسه لما يشبه الأسطورة الحديثة، وحول الحافلة التي قضى فيها الشاب أيامه الأخيرة (المعروفة بحافلة فيربانكس 142) إلى وجهة معروفة يقصدها هؤلاء المتأثرين بقصته من حول العالم. إلا أنه مع ذلك، هناك من أعربوا عن وجهات نظر سلبية حول الاهتمام المبالغ فيه بقصة الشاب التي تم التعامل معها بعاطفة مفرطة واهتمام مبالغ فيه، في حين كان من المفترض أن تكون قصة للاعتبار في سوء التخطيط والتهاون بالخروج إلى البرية دون العلم الكافي والتجهيزات المناسبة ليس إلا.

الحافلة فيربانكس 142

في 6 سبتمبر 1992، اكتشف مجموعة من الصيادين وهم يبحثون عن مكان للتخييم مكان ماكاندلس عندما شموا رائحة اعتقدوا أنها لطعام فاسد، قادتهم إلى الحافلة حيث عثروا على الجثة في كيس نوم في مؤخرتها. قام الصيادون بسرعة بإبلاغ الشرطة التي وصلت في اليوم التالي، وقدرت أن الوفاة قد حدثت نتيجة للجوع قبل أسبوعين تقريبًا من العثور على الجثة.

على الحافلة نفسها كتبت رسالة استغاثة تقول:

انتباه الزوار المحتملين. S.O.S. بحاجه لمساعدتك. أنا مصاب، على وشك الموت، وأضعف من أن أتسلق. أنا وحيد، هذه ليست مزحة. أسألك بالله البقاء لتنجدني. أنا في الخارج لجمع التوت وسأعود هذا المساء. شكرا لك كريس ماكاندلس. أغسطس؟

إلى جانب الجثة عثر على مدونة مدون فيها يوميات لـ 113 يوم، وكاميرا موثق عليها أحداث من الفترة التي قضاها الشاب في الغابة وحده.

آخر شيء كتب في المدونة كان في اليوم 107، وكان: "BEAUTIFUL BLUE BERRIES." أو "توت أزرق جميل". لم تحتوي الأيام من 108 إلى 112 على أية مدونات سوى رقم اليوم وخطوط مائلة تحته. في اليوم 113 لم يكن هناك تسجيل لشيء.

لم تتم معرفة الوقت والتاريخ المحدد لوفاة ماكاندلس، لكنه قام قرب موعد وفاته بالتقاط صورة لنفسه وهو يلوح بيده ويحمل رسالة باليد الأخرى مكتوب فيها:

حظيت بحياة سعيدة وشكرا للرب. وداعا وليبارك الله الجميع!

كانت هذه آخر صورة لكريستوفر ماكاندلس بالكاميرا خاصته.

آخر صور كريستوفر ماكاندلس
آخر صور كريستوفر ماكاندلس

تعددت النظريات حول السبب وراء وفاة ماكاندلس، بين التسمم والسبب المؤدي إليه، والجوع،  لكن لا أحد يعلم على وجه التحديد سبب الوفاة الحقيقي.

لكن ما تأثرت به في هذا الأمر أني علمت أن ماكاندلس قبل أن يموت، بعد قضائه لشهرين تقريباً في عزلته، كان قد قرر الخروج إلى المدينة من جديد، غير أنه عندما حاول العودة من الطريق الذي كان قد جاء منه، وجد أن ذوبان الثلج كشف عن نهر جارف قطع طريق العودة عليه فعاد إلى الحافلة ثانية وكتب في مدونته يعبر عن وحدته وخوفه.

المثير للدهشة هنا، أن الخبراء بهذه المنطقة يقولون أنه لو كان تقدم في اتجاه مسار النهر لمسافة كيلومتر ونصف فقط، لكان استطاع العبور إلى الضفة الأخرى واستطاع الخروج من الغابة، لأن النهر يضيق بعد ذلك في هذه المنطقة. كذلك كان على بعد 10 كيلومترات منه تقريباً مخزن لبيع مستلزمات الترحال والخروج إلى البراري، لكن بسبب أن ماكاندلس كان قد أحرق الخريطة البدائية التي كانت معه من ضمن ما أحرق من مقتنيات أخرى. لم يكن يعرف أي شيء عن المكان الذي هو فيه.

آخر الأخبار

آخر الأخبار حول هذه القضية كان في شهر يونيو 2020، حيث قام الحرس الوطني لجيش ألاسكا بإزالة الحافلة فيربانكس 142 من مكانها لأسباب تتعلق بالسلامة العامة، ونقلها إلى وجهة غير معلن عنها. وذلك بعد وقوع عدد من الحوادث، من بينهما حادثتي وفاة، لأشخاص حاولوا الوصول إليها.

ما تأثرت به من قصة ماكاندلس في البرية

لقد تأثرت بالقصة، فأنا أتأثر بأي قصة "حقيقية" يكون أبطالها أشخاصاً ليسوا بيننا الآن، خصوصاً لو كان الحديث عن آخر أيامهم أو أحداث وفاتهم.

لا أعرف ما الذي كان يفكر فيه ماكاندلس وقت أن أحرق أمواله وحتى الخريطة التي كانت معه، أظن أنه كان يريد أن يؤكد لنفسه أن لا مجال للتراجع عما وضع نفسه فيه.

الوضع الذي وضع الشاب نفسه فيه هو بكل تأكيد فيه كثير من سوء التقدير وسوء التخطيط، لكن الأخطر من ذلك أنه لم يكن لديه استعداد لسماع أي نقاش أو نصائح من أحد حول ما كان ينوي القيام به.

في الفصل الأول من الكتاب يركب ماكاندلس مع سائق شاحنة على الطريق السريع لينقله إلى مكان انطلاقه إلى داخل البرية. أثناء الطريق يظل الاثنان يتبادلان أطراف الحديث ، ويخبر ماكاندلس السائق بما ينوي فعله، فيحاول السائق إقناعه بالتراجع عن ذلك لأن ما معه من معدات غير ملائم لمواجهة قساوة البراري الذي هو ذاهب إليها، لكنه يفشل في ذلك، ويظل ماكاندلس مصراً على رأيه مقتنعاً فقط بما في رأسه، هذا مع العلم كذلك أنه لم يكن على تواصل مع عائلته منذ عامين على الأقل (ولا أعلم ما الذي كان يصنعه خلال هذه الفترة).

ما أعتقده، أنه رغم أن تخطيط ماكاندلس وتقديره للأمور كان سيئاً للغاية، إلا أن أكبر خطأ وقع فيه هو رفضه لاستماع أي نصيحة، أو أخذه لأي مشورة حول ما كان يفكر فيه وينوي القيام به. كان يظن ماكاندلس أنه قادر على القيام بكل شيء بنفسه، وهذا ما أودى بحياته في النهاية.

أثناء قراءتي لمقدمة الكتاب والفصل الأول منه، شعرت بالتأثر الشديد وأنا أقرأ اللحظات الأخيرة التي كان فيها ماكاندلس مع السائق الذي كان آخر شخص رآه حياً. كانت هذه هي آخر مرة يراه فيها بشر. 

شعرت بالحزن والشفقة على ماكاندلس أكثر من الغضب تجاهه. فعلى الرغم من الأخطاء التي ارتكبها، إلا إنه لم يكن سوى شاب متحمس ويائس في نفس الوقت. ربما كانت الأحداث التي مر بها في حياته سبباً في وصوله إلى هذا الحد من الرغبة في الانعزال عن الجميع وعدم السماع إليهم، لكنه في النهاية كان شاب ويحتاج إلى المساعدة لإيجاد الطريق الصحيح في حياته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أشهر كتابين حول موضوع اكتساب العادات وتغيير نمط الحياة

زمن الخيول البيضاء - إبراهيم نصر الله