تجرؤ على الله باسم الأدب!

قمت خلال الأيام الماضية بقراءة كتابين، أحدهما لم أكمله إلى نهايته والآخر أكملت قراءته. الأول كان رواية "ثلاثية غرناطة - رضوى عاشور"، والثاني رواية "الحرب في بر مصر - يوسف القعيد".

 







الرواية الأولى ( ثلاثية غرناطة )

الرواية نشرت لأول مرة عام 1994، وتدور أحداثها في مملكة غرناطة، فترة سقوط جميع الممالك الإسلامية في الأندلس. وعلى الرغم من أن العنوان يجعلك تشعر أن أحداثها ستدور حول الأحداث التاريخية، إلا أنها ليست كذلك، وعلى غير المتوقع تأتي الأحداث التاريخية في خلفية أحداث حياة شخصيات الرواية التي لا ترتبط بالأحداث التاريخية سوى بشكل ثانوي. فوجدت أن ما كنت أنتظره من فائدة تاريخية مغلفة بالإثارة الأدبية ليس موجوداً، فتوقفت عن القراءة ولم أكملها.

أكثر ما كرهته في الرواية

الرواية تطرح قضية القهر الواقع من الطرف الطاغي على الطرف الضعيف، الطرف القوي فيها هم القشتاليون الذين يسقطون الدولة الإسلامية في غرناطة ويخرقون العهود معهم ويرغمون أهلها على التنصير ويلاحقونهم بمحاكم التفتيش.

ثم تأتي الكاتبة، لتنسب هذا القهر الذي يقع بالمسلمين وسقوط الدولة إلى  الله عز وجل، وتقوم بوصف الأمر -على لسان شخصياتها- كأنه تخلي من الله عز وجل عن عباده الصالحين! ويصل بها الأمر إلى التشكيك في وجود الله عز وجل ووجود الحياة الآخرة من الأساس! هذا بدلاً من أن تسرد الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ضعف الدولة وسقوطها، والتي من المعلوم أنها كانت بسبب بُعد حكام هذه الفترة عن الدين والمنهج القويم، وانغماسهم في الترف والشهوات والملذات وليس العكس!

قد يقول قائل أن العرض الأدبي قد يستلزم عرض مثل هذه الأفكار دون أن تكون من الضرورة تعكس آراء وأفكار الكاتب نفسه! والحقيقة أن هذا الأمر مفهوم، ولكن يظل في هذه الحالة الكاتب مسؤولاً عن الطريقة التي يعرض بها هذه الأفكار في روايته، فالعرض هنا -في هذه الرواية- لم يجيء على لسان شخصية كافرة أو منبوذة أو شريرة مثلاً، بل على العكس، جاء على لسان شخصية مميزة في أحداث القصة (متيقظة الذهن ومميزة بين باقي شخصيات الرواية، ومن المفترض أن تكون من الشخصيات المحببة للقارئ) ما يجعل الأمر أقرب إلى الترويج لهذه الأفكار منه إلى نبذها. كذلك فإن الكاتبة تطلق هذه الأفكار على إطلاقها ولا تعود إليها بالتعليق أو التعديل والتحصحيح من خلال الأحداث، ما يعبر عن اقتناع الكاتبة بها. وسأعلق على هذه الأفكار إجمالاً بعد عرض الرواية الثانية التي تشاركها نفس التجاوز ولكن بطريقة أخرى.

الرواية الثانية ( الحرب في بر مصر )

الرواية قديمة، نشرت عام 1978، وتتحدث عن فترة حرب أكتوبر 1973 في مصر والأوضاع الاجتماعية التي كان يمر بها المصريون في في هذا الوقت، ولم نزل نعاني منها، وإن تعددت أشكالها ومظاهرها، في الوقت الحالي.

الرواية قوية من الناحية الأدبية، والقصة بناؤها جيد ومتماسك، وتم تحويلها إلى فيلم باسم (المواطن المصري) بعد ذلك.

أكثر ما كرهته في الرواية

يتعرض الكاتب لنفس قضية الظلم الواقع من طبقة الأغنياء، أصحاب السلطة والنفوذ، على طبقة الفقراء الضعفاء قليلو الحيلة، ثم يوصف ذلك -على لسان شخصية فصل من الفصول- بأنه تخلي من الله تعالى عن الفقراء، وأخذاً منه لصف الأغنياء وانحيازاً إليهم، تاركاً الضعفاء دون إله يدافع عنهم! يأتي ذلك أيضاً على لسان شخصية من المفترض أنها تدافع عن الحق وتطالب بتحقيقه وليس على لسان شخصية منبوذة أو شريرة لا يعتد بكلامها. وهي نفس القضية التي تتعمد كاتبة الرواية السابقة الخوض فيها، ولكن بشكل آخر يحمل نفس المعنى.

القضية التي تخوض فيها الروايتان (التعليق الإجمالي)

الروايتان تطرحان قضية الظلم الواقع من الطرف الظالم القوي على الطرف المظلوم الضعيف، والروايتان تفترضان أن الإله كان عليه أن يتدخل لمنع هذا الظلم من الوقوع، ويخلصان من ذلك إلى نتيجة "كفرية" مفادها أن الظلم وعدم العدل ينسب إلى الإله نفسه الذي سمح لهذا كله أن يحدث!

والحقيقة أن هذا الادعاء ليس بالجديد، بل إنه يعتبر من أشهر إدعاءات الملاحدة، وأكثر فرضية يستخدمونها للدفاع عن معتقداتهم الكفرية والبحث لها عن مبرر. ولكن الأمر لا يمكن فهمه على نحو صحيح دون عرضه بالطريقة الصحيحة دون اجتزائه.

خلق الله سبحانه وتعالى الدنيا بمقادير، ولكل سبب فيها مسبب، والعدل، وإحقاق الحق، ودفع الظلم عن الناس، كلها غايات ينبغي اتباع أسبابها وسبلها لتتحقق. ولكن جشع الناس، وظلم القوي منهم الضعيف، وبعدهم عن منهج الله هو ما يمنع تحقيقها.

في (غرناطة) وسقوط دول المسلمين الواحدة تلو الأخرى، سنجد أنه في الوقت الذي كان على المسلمين إعداد العدة للجهاد والدفاع عن البلاد والعباد، ذهبوا للانغماس في ترف الحياة والاستمتاع بالشهوات والملذات، وابتعدوا عن منهج الله الذي بين لهم طريق الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة. فلما فعلوا ذلك كانت الهزيمة هي النتيجة العادلة لحصاد أيديهم، بل لو كان الذي حدث غير ذلك، لكان ظلماً للكافرين الذين أعدوا العدة وكانوا آخذين بأسباب النصر في هذا الوقت. فعلى الرغم من أن الله تعالى قد وعد عباده بالنصر والتأييد إلا أنه سبحانه وتعالى قد ربط ذلك بقوله (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل...) وذلك حتى لا يتواكل المؤمنون، فإن هم لم يفعلوا ذلك كان عدلاً من الله أن ينتصر الفريق الذي أخذ بأسباب النصر وإن كان كافرا.

أما عن قول "عدم إعطاء الله القوة للضعفاء ليدافعوا بها عن أنفسهم ضد أصحاب السلطة والنفوذ الظالمين" فلا أفهم ما نوع هذه القوة التي يريد الكاتب أن يمنحها الله تعالى للضعفاء ليستعيدوا بها حقوقهم ممن ظلمهم؟ هل يقصد مثلاً أن يصيب الظالمين بالأمراض والأوبئة وينزل عليهم العقوبات الفورية حتى يردوا الحقوق إلى أهلها؟! إذا قلنا بهذا لصح أن نقول أن على الله تعالى أن يرغم الناس أن يكونوا مؤمنين إرغاماً! ولأصبح المخطئ مستحقاً للنار من أول خطيئة يخطأها، ولأصبحت الأرض هي الجنة التي نعيش عليها التي لا يجوز أن تكون عليها خطيئة، ولأصبحت النار هي الخروج من الأرض إلى مكان لا نعرف أين يمكن أن يكون؟! 

الأمر ليس هكذا. فالله سبحانه وتعالى يقول: ((ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون)) أي أن الله تعالى  قادر على أن يأخذ من في الأرض جميعاً بظلمهم، وألا يبقي عليها من خطيئة، ولكن ليس لهذا السبب أُنزلنا إلى الأرض، وليس لهذا أبقانا فيها. قال تعالى: ((ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا)) وقال تعالى: ((قال اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)) وقال تعالى: ((قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين)).

فهكذا هو الأمر، عدل في أسبابه، وأجلاً مسمىً إلى حكمه. ليس تغافلا عن الظالمين ولا تخلياً عن المظلومين. فالله تعالى يقول: ((ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار * مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء)). فهناك آخرة، وهناك جنة وثواب كريم، وهناك نار وعذاب أليم، ولم تكن الدنيا بحال من الأحوال دار جزاء، وإنما هي دار بلاء وعمل، وعلى أعمالنا فيها نلقى مصائرنا في الآخرة، ولكن بعض المتفلسفين يريدون اختصار قصة الخليقة كلها في فصلها الأول  (فصل الحياة الدنيا) ويعتبرون أنفسهم -كعادتهم- أوصياء على الكون وأن كل شيء فيه لا بد وأن يسير وفقاً لرغباتهم وأهوائهم. فذرهم في غمرتهم حتى حين.

أخيراً، هذا ما وجدت وجوب إيضاحه من تجاوز فج غير مقبول ولا يجوز التغاضي عنه من كُتّاب من المفترض أنهم يحملون اسم الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أشهر كتابين حول موضوع اكتساب العادات وتغيير نمط الحياة

زمن الخيول البيضاء - إبراهيم نصر الله

قصة الشاب كريستوفر ماكاندلس المأساوية في البرية