الإنسان المهدور - مصطفى حجازي

إننا أبعد ما نكون عن المواطنة وحقوقها وواجباتها..الأولوية في مختلف مؤسسات القطاع العام العربية للولاء وليس للأداء..أنت جيد ما دام ولاؤك مضموناً. عندها تنال نصيبك من الغنيمة والحماية.

عن الكاتب
عن الكتاب
حول موضوع الكتاب
يتكلم الكاتب في هذا البحث عن تحقيق النماء من خلال تنمية الإنسان الذي هو اللبنة الأساسية والأولية في تحقيق أي تقدم، وكيف أن المجتمعات والأمم لا يمكنها أن تتحدث عن أي نماء من دون تحقيق النماء الإنساني أولاً. فتنمية المجتمعات والأمم لا تقوم بالمنشآت والبنى التحتية، ولكن تقوم على بناء الإنسان ذاته، الذي لا يمكن تحقيقه تحت ظل الخوف والقهر وسلب حرية الاختيار وهدر الطاقات.
من خلال هذا العرض يقوم الكاتب بتعريف معنى الهدر الإنساني، الذي يبدأ بهدر الدم مروراً بهدر الطاقات والفكر والوعي والإبداع، والذي يأتي نتاجاً للتعامل مع الإنسان في مجتمعاتنا العربية كعبء وليس كثروة، وكتهديد وليس كلبنة بناء، وككبش فداء يضحى به مقابل بقاء السلطة.
يتساءل الكاتب بعد ذلك تساؤل جوهري يشكل نقطة انطلاق لبحثه، وهو: هل هناك من مجال في عالمنا الراهن لأي إنجاز اقتصادي أو عمراني بدون اقتدار معرفي وفاعلية ذهنية متحررة؟
ثم يبدأ الكاتب بعرض نقاط الهدر -مقسمة في فصول الكتاب- التي يعتبرها أساساً للمشكلات التي نواجهها في مجتمعاتنا العربية، ويعرض لكل واحدة منها بالتحليل والنقد والصور العكسية لها التي يفترض أن تكون حلولاً لها، ويدرج مراجعه لكل فصل في نهايته.
يتطرق الكاتب للعديد من المشكلات الحقيقية التي نواجهها في مجتمعاتنا وتعيق تقدمنا، إلا أنني رغم ذلك لا أوافقه في كثير من الحلول والأسباب التي يفترضها لهذه المشكلات من الناحية الفكرة، لذلك وجدت أن أعلق عليها في هذا الموضوع لأوضح وجهة نظري الخاصة فيها.
تعليقي باختصار على بعض أفكار الكتاب
لماذا يكون نموذج الحداثة الغربية هو النموذج المثالي الواجب الاقتداء به؟
يظهر في الفصول الأولى من الكتاب تأثر الكاتب بشدة بنموذج الحداثة الغربي، واعتباره له كنموذج أمثل للاقتداء به في نهوض البلاد وتقدمها. في مقابل ذلك ينتقد كل ما ينتهجه النموذج العربي من تمسك بالعادات، والدين، والانتماء للعشيرة والقبيلة، وما إلى ذلك من سمات، ربما تستغل في كثير من الأحيان بطرق وأساليب متعصبة نعم، إلا أنها في الوقت ذاته تؤكد على وجودنوع من أنواع الترابط المجتمعي في المجتمعات العربية، لا وجود له في في الأعم الأغلب من المجتمعات الغربية التي تحولت إلى مجتمعات عملية مفككة اجتماعياً، لا تعترف بالفرد سوى من خلال عمله وإنجازه الوظيفي.
وعلى الرغم من أن لهذا النهج، الذي ينتهجه الغرب، أثره الواضح في التنمية الاقتصادية والعلمية، ونعم علينا الاستفادة من تجربته في هذا المجال، إلا أنني لا أرى منطقية أنه في سبيل إصلاح جانباً من جوانب حياتنا المجتمعية أن نقوم بهدم جوانب أخرى في مقابلها!فالمجتمعات لا تقدر على نفس النحو الذي تقدر به شركات الأعمال أو الأسواق الاقتصادية! فهناك الكثير من العوامل التي تدخل في تقييم المجتمعات غير المعيار المالي، والتي تكون في نظري (كفرد) أهم بكثير من المعيار المالي وحده. أمور مثل مدى الترابط الاجتماعي بين الأفراد، ومدى تمسكه بالقيم والأخلاق التي تضمن التعايش السلمي المتفاهم بين أفراده، والأصول والثوابت التي يؤمن بها ويحافظ عليها ليستطيع المرء الثقة في توجهه على المدى البعيد.
للأسف أمور كهذه هي ما ينتقده الكاتب على تمسك مجتمعاتنا بها، ويجعلها سبباً من أسباب تأخرنا، في حين أنه ما من رابط -على حد اعتقادي- بين الانحلال المجتمعي وتقدمه! وليس لزاماً علينا حتى نتعلم من الغرب في تقدمه أن ننسخ مناهجه بكل ما فيها من سلبيات وعيوب دون أن ننقحها وننتقي الجيد منها، ونترك الفاسد!
نحن إذا ما أردنا تحويل المجتمع إلى مجموعة من الأفراد العاملين، لا يميزها عمن غيرها سوى جواز السفر الذي تحمله، نحن بذلك نقوم بهدم كثير من الجوانب الاجتماعية التي تشكل الهوية والطابع الخاص لهذا الشعب عن غيره. أمور كالدين والأصول العائلية والعادات والأعراف، أمور تشكل بنية الإنسان وكيانه، والمناهج التي تسعى لتفريغ هذا المحتوى منه هي المناهج الرأس مالية، التي لا تنظر إلى الأفراد سوى من المنظور المالي فحسب، دون أي اعتبار لبعده الاجتماعي والأخلاقي والاجتماعي. هذا ما وقعت فيه المجتمعات الغربية، فتحولت إلى مجتمعات مفككة لا تربطها سوى الروابط المادية المفرغة من البعد الاجتماعي والأخلاقي والقيمي.
فهل مجتمعات كهذه تصلح للاقتداء المطلق بها؟ وهل من الصواب أن نهدم ما لدينا من تمسك بهذه الروابط التي فقدوها في سبيل الوصول إلى ما وصلوا إليه من تفكك؟ ألن يكون مجرد تطبيق العدالة على الفاسدين في مجتمعاتنا كفيلاً بأن يعيدنا إلى أمجاد عشناها من قبل ونحن أكثر تمسكاً بما ننتقده اليوم؟
أجد في مهاجمة الكاتب لكل ما تتمسك به المجتمعات العربية على عمومه بهذا الشكل، شيء مبالغ فيه وغير مبرر، وكان لابد من التفصيل في شأن التوجهات الخاطئة لدينا وحصرها فيها، دون استخدام نبرة الهدم لكل ما سبق دون التفريق بين حسنه وقبيحه.
لماذا يهاجم الدين عند الكلام عن الحرية بصورة تلقائية؟!
أمر آخر أنتقده في موضوع الكتاب، وهو افتراض أن الدين يدخل ضمن ما يسميه الكاتب "بالهدر الداخلي" للإنسان، واعتباره ككقيد يمنعه من تحقيق التطور العلمي والفكري!
ولا أعلم كيف لبحث من المفترض أنه يتناول قضيته من خلال منهج علمي، أن يقوم بإطلاق مصطلح "الدين" بكل ما يحمله من فروع وأقسام وأحكام هكذا دون تفنيد، ويدرجه بكل بساطة ضمن عناصر المشكلة، ويريد منا أن نتقبل ذلك على أنه أمر مسلم به ولا يحتاج لتفنيد علمي يثبت صحة ادعائه!! خصوصاً وأن النظم المستبدة ذاتها التي يتكلم عنها وينتقدها، هي في الأساس تحارب الدين لتكون التبعية لها وحدها لا لأحد سواها حتى لو كانت هذه التبعية للإله نفسه! فكيف يتم اتهام الدين بشيء هو ذاته محارب فيه؟! وكيف تتعامل مع الدين بكل ما يحمله من ثقل وسعة بهذه السطحية الغير علمية؟!
من المستفيد من شيطنة دور الأم في المجتمع؟!
من الأمور التي يصور بها الكاتب موضوع "الهدر الداخلي" أيضاً هو دور الأم أو ربة المنزل في المجتمع، الذي يعتبره استغلالاً لها وتقييداً لحريتها وتحقيق ذاتها، ويصف رفع قدر دور الأم واعتباره أهم أدوار المرأة في المجتمع بأنه نوع من أنواع تسلط الرجال وتحكم أعراف الشرف والفضيلة في المجتمع. ويريد في مقابل ذلك أن يكون مناط تقدير المرأة الوحيد في المجتمع هو العمل والإنتاج والدرجة الوظيفية فحسب.
ولا أرى في عمل المرأة وتحقيقها لذاتها شيئاً يُعترض عليه ما دام في السياق الذي يحفظ لها عفتها وشرفها، لكن الذي لا أراه مبرراً هو شيطنة دور الأم أو المرأة المربية في المجتمع، وتحويلة إلى صنف من أصناف العبودية، والتعامل معه من هذا المنطلق، في حين أن الأولى أن نتساءل عن النتائج التي ستواجهنا إذا ما تم التخلي عن هذا الدور في المجتمع ولم تقم به الأم أو الزوجة داخل الأسرة!
فهل المجتمعات التي تُصدِر إلينا هذا الفكر ناجحة في تكوين روابط أسرية ناجحة نستطيع أن نعتمد عليها عند قدومنا على مثل هذه الخطوة وانتهاجها في مجتمعاتنا؟ أم أننا سننتهي من ذلك للوقوع في نفس إخفاقاتهم المجتمعية التي فككت كل الروابط الأسرية لديهم؟ وما مردود ذلك على الطفل الذي سيكون هو "المهدور" الأول في هذه القضية إذا ما تخلت أمه عن تربيته كما ينبغي، وتركت هذه المهمة للمربيات بالساعة!
هل نريد حقاً بناء مجتمعاتنا على دراسات حقيقية تدرس الآثار والنتائج قبل الإقبال عليها، أم أنه مجرد حديث انبهار بثقافة الآخر دون وعي حقيقي بإيجابياته من سلبياته وعيوبه؟!
تعليقات
إرسال تعليق