ما فائدة القراءة "لي أنا" قبل المجتمع؟


من المعروف أن القراءة رمز للمعرفة والثقافة، وأنه ما من مجتمع تنمو فيه القراءة إلا وارتفع بأخلاقه وثقافته وتحضره. ولكن كيف يحدث ذلك على المستوى الفردي؟ أو ما هي الفوائد التي يستفيدها الفرد بحد ذاته من القراءة فيصبح إنساناً فعالاً في حياته الشخصية، وبالتالي في مجتمعه؟ ما الفوائد التي تعود عليّ "أنا شخصياً" من القراءة فأحرص عليها لنفعي الشخصي أولاً قبل نفع المجتمع بأسره؟

ربما تبدو هذه النظرة أنانية نوعاً ما، ولكن هذه هي الحقيقة، فالإنسان لن يحرص على شيء إلا لو وجد منفعته الشخصية فيه أولاً. ولهذا، ربما إذا علمنا ما يعود علينا من نفع شخصي من القراءة، لحرصنا عليها وتحولنا إلى قراء، وبالتبعية حققنا النفع المجتمعي المرجوا من الناحية العامة.

في هذا المقال، قمت بالترجمة الغير حرفية لمقال نشر من قبل على موقع healthline، وحرصت على نقل مصادره الموثوقة كما هي لتكون أكثر دقة وإفادة لمن أراد الاطلاع عليها. 

الموضوع متاح لمن أراد طباعته للاستفادة منه، أو الاقتباس منه، أو البناء عليه. لنبدأ بالموضوع.

أثر القراءة على الدماغ
في عام 2013 أجريت إحدى الدراسات تحت عنوان Brain Connectivity تقوم بدراسة الآثار قصيرة وطويلة الأجل لقراءة الروايات الأدبية الخيالية على الدماغ، ومعرفة ما إذا كان لهذا النوع من القراءات فائدة غير مجرد قضاء الوقت الممتع أثناء قراءتها.

استخدم الباحثون في هذه الدراسة عمليات التصوير بالرنين المغناطيسي لقياس مدى تأثر الدماغ لمجموعة من الأشخاص قاموا بقراءة إحدى الروايات على مدى 9 أيام لغرض الدراسة. وكانت النتائج تشير إلى وجود نشاط دماغي متزايد مع ازدياد توتر الأحداث في القصة. وأظهر المسح الدماغي لهم إزدياد نشاط الجهاز الحسي الجسدي بالدماغ (الذي يستجيب للأحاسيس الجسدية مثل الحركة والألم)، واستمر ذلك الأثر طوال فترة القراءة وإلى أيام بعدها.

استنتج الباحثون من ذلك أن: الأشخاص الذين يقرأون الروايات الخيالية التي تستكشف دواخل حياة شخصيات آخرين ويتأثرون بهم هذا التأثر، يمكن أن تكون لديهم قدرة عالية على فهم مشاعر ومعتقدات الآخرين. وهو ما أكد عليه بحث سابق، أن الأشخاص الذين يقرؤون الخيال الأدبي تكون لديهم قدرة عالية -مقارنة بغيرهم- في مجموعة المهارات الأساسية لبناء العلاقات الاجتماعية والحفاظ عليها.

غير أن هذه النتائج ليس من المرجح أن تحدث في الدماغ بمجرد القيام بالقراءة لمرة واحدة أو لعمل أدبي واحد، ولكن على المدى الطويل فإن الأشخاص كثيرو القراءة للروايات يميلون بشكل أفضل إلى امتلاك هذه المهارات الذهنية الاجتماعية.


الفصاحة اللغوية
وجد الباحثون من خلال دراسة تحت عنوان (تأثير القراءة على نمو المفردات) أن الأشخاص الذين يبدأون بالقراءة بانتظام من سن مبكرة، يطورون مفردات كبيرة تدريجيًا، تمكنهم من أن تكون لديهم فصاحة لغوية أكبر من غيرهم ممن لا يقرأون. ويمكن للفصاحة اللغوية أن تؤثر على العديد من المجالات في حياة الشخص، ابتداءً من درجات اختباراته الدراسية، إلى قبوله بفرص عمل متميزة.

فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة Cengage التعليمية لعام 2019 أن 69 بالمائة من أصحاب العمل يتطلعون إلى توظيف أشخاص لديهم مهارات "ناعمة" مثل القدرة على التواصل بأسلوب لبق وفعال مع الآخرين. وسواء أكنت شخص يعمل لدى إحدى الشركات، أو شخص يعمل لحساب نفسه، فإن الفصاحة اللغوية تفرض نفسها على الساحة التي تطرح عليها، وتعكس سعة ثقافة واطلاع صاحبها، وترفع من قدره بين الحاضرين.

القراءة تساعدك على منع التدهور المعرفي المرتبط بالعمر
نشر المعهد الوطني للشيخوخة في عام 2017 مقالاً يوصي فيه بقراءة الكتب والمجلات كوسيلة للحفاظ على انشغال العقل مع التقدم في العمر.

وعلى الرغم من أن الأبحاث لم تثبت بشكل قاطع أن قراءة الكتب تمنع أمراضًا مثل مرض الزهايمر، إلا أن الدراسات التي أجرتها مصادر موثوقة تُظهر أن كبار السن الذين يقرؤون ويحلون المسائل الرياضية كل يوم يحافظون على صحتهم العقلية بشكل ملحوظ أكثر من غيرهم ممن لا يمارسون ذلك.

وكلما بدأ هذا النشاط في فترة مبكرة من العمر، كلما كان تأثيره أفضل، فوفقاً لدراسة أجراها المركز الطبي بجامعة Rush الأمريكية، عام 2013، وجدوا أن الأشخاص الذين شاركوا في أنشطة محفزة ذهنيًا طوال حياتهم كانوا أقل عرضة لتكوين الأعراض التي تحدث بأدمغة الأشخاص المصابين بالخرف.

التقليل من التوتر والإجهاد
في عام 2009 ، قام مجموعة من الباحثين بقياس تأثير اليوغا والفكاهة والقراءة على مستويات الإجهاد لدى طلاب دراسات العلوم الصحية بأمريكا. ووجدت الدراسة أن القراءة لمدة 30 دقيقة قامت بخفض ضغط الدم ومعدل ضربات القلب والشعور بالضيق النفسي بنفس فعالية اليوغا والفكاهة.

ما يعني أن 30 دقيقة من القراءة في اليوم قد تكون كافية للتخفيض من شدة التوتر والإجهاد دون الإخلال بالتزاماتك اليومية. وقد تساعدك كذلك على تخفيض توتر يوم شاق إذا ما قمت بها قبل النوم للدخول في حالة استرخاء تمنحك نوم هانئ يمدك بالطاقة لليوم التالي.



القراءة تساعدك على تخفيف أعراض الاكتئاب
غالباً ما يشعر الشخص المصاب بالاكتئاب بالعزلة والابتعاد عن الأشخاص الآخرين، وقد تكون الكتب هي أفضل ما يستطيع تقليل مثل هذا الشعور، فقد تسمح لك قراءة الروايات بالهروب مؤقتًا من عالمك الخاص والانغماس في التجارب الخيالية لشخصياتها. وقد تعلمك كتب التنمية الذاتية استراتيجيات وطرق جديدة تستطيع من خلالها استعادة السيطرة على نفسك وحياتك. 

وقد قامت بالفعل الخدمة الصحية الوطنية في المملكة المتحدة، ببدء برنامج مخصص لهذا الغرض تحديداً أطلق عليه Reading Well، وهو برنامج يقوم من خلاله أطباء مختصصون بترجيح كتب يتم اختيارها خصيصاً بما يتلائم مع كل حالة، للتحسين من حالة الشخص النفسية واستعادة السيطرة عليها. ولا يقتصر الأمر على حالات الاكتئاب فقط، بل هناك كتب كذلك حول مشكلات أخرى مثل الأرق والتوتر وغيرها.

قد تكون سبباً في جعلك تعيش لفترة أطول؟
هناك دراسة طويلة المدى، أجريت على 3,635 شحص بالغ، استمرت لمدة 12 عام، تحت عنوان (ميزة البقاء لدى قراءة الكتب). في هذه الدراسة تم التوصل إلى نتيجة مفادها أن أولئك الذين كانوا يقرؤون الكتب من هؤلاء الأشخاص، ظلوا على قيد الحياة لمدة عامين أكثر من أولئك الذين لم يقرؤوا نهائياً أو كانوا فقط يقرأون المجلات ومختلف وسائل الإعلام الأخرى.

وخلصت الدراسة كذلك إلى أن الأشخاص الذين يقرؤون أكثر من 3 ساعات ونصف أسبوعيًا من المرجح أن يعيشوا بنسبة أطول من أولئك الذين لم يقرؤوا على الإطلاق بنسبة 23٪. فإذا فهمنا الأمر من باب أن القراءة تعد -كما سبق أن ذكرنا- من الأسباب التي تقلل التوتر وتحد من الاكتئاب، وتجنب التفكير بطرق سلبية تؤثر بشكل عام على الصحة النفسية. فمن الممكن أن نقول بأن القراءة تجنب الذين يواظبون عليها العوارض النفسية والبدنية المترتبة عليها التي قد تؤدي إلى حدوث الوفاة في سن مبكرة.

ماذا أقرأ؟
القراءة اليوم من أسهل ما يكون في عصر انتشار سبل القراءة الإلكترونية في كل مكان وعلى كل جهاز محمول تقريباً، لكن ما قد يواجهك هو كثرة الاختيارات التي أمامك لتبدأ منها. وبالطبع لاختلاف الأمزجة والجداول اليومية لكل منا، ستختلف الإجابة عن هذا السؤال -ماذا أقرأ؟- من شخص لآخر، ولكن دعني أطرح لك بعض الاقتراحات.

يمكنك إذا كنت مهتماً بموضوع محدد، أن تخصص وقتاً للقراءة عنه على مدونة متخصصة في هذا الموضوع. كذلك بإمكانك إذا كنت شخص متخصص في مجال ما، أن تخصص قراءتك في هذا المجال لتزداد فيه تعمقاً من خلال الكتب المتخصصة فيه، أو الكتب التي تدعم نظريات داعمة له، مثل كتب تطوير الذات ونظريات الإدارة وتنظيم الوقت وما إلى ذلك. أما إذا كنت تعاني من الضغط الواقع عليك من كل ما هو حولك، فبإمكانك محاولة الهروب إلى عالم آخر من الخيال الروائي بأحداث وأماكن وأشخاص آخرين.


ختاماً
هناك نصيحة أخيرة حول هذا الموضوع وهي، أياً ما كان ما ستقرأه، فلا تجعل كل قراءتك على الأجهزة الإلكترونية، ولكن تنقل بينها وبين قراءة الكتب المطبوعة، فهناك دراسات تُظهر أن الأشخاص الذين يقرؤون الكتب المطبوعة يكونون أكثر تركيزاً، ويسجلون درجات أعلى في اختبارات الفهم ويتذكرون أكثر ما يقرؤونه من الأشخاص الذين يقرؤون نفس المادة بشكل رقمي. وربما يعود ذلك لأسباب، منها كثرة المشوشات على الأجهزة النقالة بسبب الرسائل وإشعارات البرامج الأخرى، ولأن القراءة المطبوعة تميل إلى التمهل وتكون أبطأ في أدائها من القراءة الإلكترونية التي يميل القارئ فيها أن يتمها بشكل أسرع.

قد يكون البدء في إدراج القراءة في روتينك اليومي شيء جديد عليك، لذلك لا تحمل نفسك فوق طاقتها من أول محاولة، وابدأ بالقدر الذي تستطيع المداومة عليه ولو كان قليلاً، لكن المهم أن تدخل هذا المعنى في حياتك، وأن تشعر بأنك تضيف إلى نفسك معرفة جديدة كل يوم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أشهر كتابين حول موضوع اكتساب العادات وتغيير نمط الحياة

زمن الخيول البيضاء - إبراهيم نصر الله

قصة الشاب كريستوفر ماكاندلس المأساوية في البرية